قراءة في قصيدة وتريات ليلية..مظفر النواب

اذهب الى الأسفل

قراءة في قصيدة وتريات ليلية..مظفر النواب

مُساهمة من طرف salvador allende في الإثنين 17 ديسمبر 2007 - 14:35

إيقاع الصورة . . بانوراما المشهد الشعري
قراءة في قصيدة "وتريات ليلية " للشاعر العراقي مظفر النواب

محمد عبدالعال


إيقاع الصورة عند مظفر النواب
ينبني إيقاع الصورة في قصيدة وتريات ليلية للشاعر العراقي مظفر النواب على استراتيجية هي من أخطر استراتيجيات بناء الصورة، وهي تمايز هذه الصورة بالدينامية، فهي تتحرك جيئة وذهاباً بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهي تستمد من الماضي شرعيتها الجمالية والموضوعية ـ وتعرض الواقع في لغة فاضحة تصل في بعض الأحيان إلى حد الوقاحة، رابطة ربطاً جمالياً بين أخطاء الماضي وبين وقاحة الواقع، وتستشرف في المستقبل تغييراً راديكالياً ينتج كرد فعل طبيعي لإدراك كل من الماضي والحاضر وهو ما أطلقنا عليه مستوى التثوير، وسنتناول هذه الصور بالتفصيل
أولا: الصورة الماضوية والصورة الآنية


نقصد بالصورة الماضوية تلك الصور التي تستمد مفرداتها من الماضي ببعديه التاريخي والسيكولوجي، أي أن كل منهما يمثل نواة للوجود الإنساني على مستويي الهوية والوعي فهما المركبان الأصليان للذات، ويتماهي كل منهما مع الآخر، يقول
في تلك الساعة من شهوات الليل..
وعصافير الشوك تفلي الأنثى بحنين..
صنعتني أمي من عسل الليل بأزهار التين
تركتني فوق تراب البستان الدافئ
وحلمت هناك بسكين ..
وتحرك في شفتي سحاق السكر

وفي هذه الصورة الماضوية يرسم لنا هذا الحزن الوجودي، الذي لازمه منذ أن استقى مكوناته الوجودية الفسيولوجية والسيكولوجية وحتى المعرفية، يقول:
كان الشبق الناري يعذبني ..
مذ كنت حليباً دافئ في النهدين ..
وكانت تبكي من لذتها شفتيّ ..

وترتبط الصورة الماضوية في مستواها التاريخي بالواقع المحيط وبالصورة الآنية التي يحاول فيها كشف الواقع وفضحه، وقد أدرجنا كلا من الصورة الماضوية، والصورة الآنية/الواقعية في محور واحد لأن كلا منهما يتماهى مع الآخر لإنتاج صورة إيقاعية، تتحرك جيئةً وذهاباً بين الماضي والواقع لتعبر عنه في صورة يتضافر فيها القديم والواقعي لإنتاج رغبة تثويرية، وهذه الصورة ما هي إلا محاولة لاستحضار الوقائع التاريخية لكشف الواقع، ولإجراء مقارنة بينهما يقول:

أنبيك علياً ما زلنا نتوضأ بالذل
ونمسح بالخرقة حد السيف
ما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف ..
ما زالت عورة عمرو بن العاص معاصرة ..
وتقبح وجه التاريخ
مازال كتاب الله يعلق بالرمح العربية
ما زال أبوسفيان بلحيته الصفراء
يؤلب باسم اللات العصبيات القبلية
ما زالت شورى التجار ترى عثمان خليفتها ..
وتراك زعيم السوقية ..
لو جئت اليوم لحاربك الداعون إليك وسموك شيوعيا

وهنا نجده يوظف أحداث الفتنة والحرب بينالإمام علي بن أبي طالب، وبين معاوية بن أبي سفيان ، ويستحضر معاركهم، بل ويستحضر مأساة كربلاء الحسين ، وكل هذا من أجل أن يؤكد على مأساتنا الحالية، وكل هذه الرموز التراثية يمكن أن نضع بجوارها رموزاً محايثة لنا في الواقع العربي المرير، وهذه المزاوجة بين ما هو تراثي وبين ما هو آنيّ ينتج ما أسميناه (إيقاع الصورة)، يقول:

ماذا يقدح في الغيب ..
أسيف علي ؟؟
قتلتنا الردة يا مولاي ..
كما قتلتك بجرح في الغرة ..
هــذا رأس الثورة يحمل في طبق في قصر يزيد
وهذه البقعة أكثر من يوم سباياك ..
فيالله وللحكام ورأس الثورة ..هل عرب أنتم ؟؟
وهو لا يكتفي بذلك فقط، بل يستحضر حادثة تعتبر من أكثر الحوادث التي تثير حساسية لدى وجدان الأمة الإسلامية، وهي موقعة الجمل، يقول:
قتلتنا الردة..
قتلتنا أن الواحد منا يحمل في الداخل ضده ..
من أين سندري أن صحابياً ..
سيقود الفتنة في الليل بإحدى زوجات محمد ؟؟

يعتبر مظفر النواب من الشعراء الذين حملوا قضايا العرب في قلوبهم، وقلما نجد شاعراً مثله لقي ما لقيه من صنوف التعذيب سواء من النظام الحاكم أو من نظم سياسية أجنبية، وتكفي عيشته المشردة بين أوطان العالم دون أن يجد له وطنا، وحسبنا هنا أن نرصد تلك الصورة التي يبئر فيها الرؤية على روحه المسجونة في أقفاص النظام الفاسد، فيستخدم لغة تصويرية أقرب ما تكون إلى كاميرات الأقمار الصناعية التي تصور عن بعد ويستمر التقريب إلى أن تصل إلى بؤرة الصورة، يقول:

يا للوحشة أسمع
فوراء محيطات الرعب المسكونة بالغيلان
هنالك قلعة صمت
في القلعة بئر موحشة كقبور ركبن على بعض
آخر قبر يفضي بالسر إلى سجن
السجن به قفص تلتف عليه أغاريد ميتة
ويضم بقية عصفور مات قبيل ثلاث قرون
تلكم روحي ..
تلكم روحي وبكائي ..

ثانياً: الصورة المستقبلية.

سبق أن أشرنا إلى أن الصورة عند مظفر النواب لها العديد من الخصائص المائزة لها وأهم هذه الخصائص هي إيقاعية الصورة، أو بالأحرى اتجاه الصورة من منطلقي الماضي والحاضر إلى استشراف المستقبل، وهو ما أطلقنا عليه القدرة التثويرية، وهذه القدرة التثويرية تنبع من رغبة ذاتية في هذه الثورة، وهذه الرغبة تنبني على ثلاثة محاور


المحور الأول يتمثل في الرغبة في العثور على أنثى تشاركه الحياة حزناً وفرحاً، وهذه الأنثى ليست مجرد أنثى عادية بل أنثى مكافئة له تحمل نفس زوايا روحه، يقول:


يا طير البرق أريد امرأةً دفئاً فأنا دفءٌ ..

وبين الغربة النفسية والغربة المكانية يبرز الشوق الناري ليس إلى أي أنثى فقط، ولكن الهدف الأكبر هو أنثى وطنه، وتبرز الأنثى هنا باعتبارها بديلا عن الوطن الضائع، يقول:
أتشهى كل القطط الوسخة في الغربة
لكن نساء الغربة أسماك
تحمل رائحة الثلج وأتعبني جسدي

قد أعشق ألف امرأة في ذات اللحظة
لكني أعشق وجه امرأة واحدة من بلدي
امرأة تحمل خبزاً ودموعاً من بلدي

المحور الثاني يتمثل في الرغبة في إيجاد وطن يحمل من العزة أكثر مما يحمل من الشعارات، وفي ثورة راديكالية لا تعرف المحاورات والجدالات السفسطائية ثورة تستقي شرعيتها من إرثها العربي، يقول:
يا ملك الثوار ..
تعال بسيفك إن طواويس يزيد تبالغ في التيه

وعندما يقابل هذه الرغبة التثويرية فعل سلبي، فلا يجد إلا صوته يعود ممزقاً فيكون الموت والخراب هو الحل الوحيد، رغبة في بناء حياة جديدة تماماً، "فإن خراباً بالحق بناء بالحق"**، يقول:
كوني عاقر أي أرض فلسطين فهذا الحمل مخيف
كوني عاقر يا أم الشهداء من الآن ..
فهذا الحمل من الأعداء دميم ومخيف
لن تتلقح تلك الأرض بغير اللغة العربية
يا أمراء الغزو فموتوا سيكون خرابا ... سيكون خراباً ... سيكون خرابا
هذي الأمة لابد لها أن تأخذ درساً في التخريب

المحور الثالث من محاور الرغبة في التغيير واستشراف المستقبل، هو محور التغيير الديني من أجل العودة إلى الله في أسلوب صوفي، وهذه المبادرة بالعودة لا تكون من الجانب البشري فحسب بل تكون من الجانب الإلهي أيضا، وطالما تحققت الرغبة البشرية تحقق الفعل الإلهي، يقول:


أنقذ مطلقك الكامن في الإنسان
فإن مدى المتبقين من العصر الحجري تطاردني
أنقذني من وطني ..

هذه هي المحاور التي تمثل الرغبة التثويرية في إيقاع الصورة الشعرية، وهذه المحاور الثلاثة أجملها مظفر في قوله:


أتمنى عشقاً خالص لله
وطيب فم خالص للتقبيل
وسيفاً خالص للثورة ..

بانوراما المشهد الشعري
تقوم مناهج النقد الأدبي الحديث جميعها من أجل غاية أساسية – في زعمي- وهي تفسير النص الأدبي، وسواء اقترن بهذا التفسير صفة ما نحو التفسير النفسي، والتفسير الاجتماعي، أم لم يحدث هذا فإن الهدف يظل واحداً وهو فتح أبواب التأويل للمتلقي كي يلج إلى عالم النص.

وتقوم مناهج النقد باستقصاء عدة ظواهر تطرد في مجموعة من النصوص بهدف تفسير النص، إذن فهذه المناهج تعتمد أساساً على نصوص أنتجت فعلا، وفي حالة الإبداع عموماً، والإبداع الأدبي بصفة خاصة، ينتج هذا الإبداع ليس من نمذجة نمط معين والسير على دربه، ولكن هو في الحقيقة ينشأ عبر تمفصله مع النصوص الماضوية سواء كان هذا التمفصل لغوياً تركيبياً، أو موضوعياً.

وبالتالي فإن إسقاط منهج معين للنقد الأدبي على نص إبداعي بهدف تفسيره يعني إهداراً للقيم الإبداعية المسكون بها هذا النص؛ من هنا يجب أن نعترف جميعاً أن لكل نص خصوصيته التي تنتج جماليته الخاصة، ولذا فإنني أزعم أنه ليس من الخطأ أن نقول أن لكل نص إبداعي منهجه الخاص في تفسيره، وهذا المنهج لا ينتج من إجراءات نظرية سابقة بل ينتج من قراءة واعية للنص الأدبي، ويبقى الهدف الأخير هو تفسير النص الأدبي سواء استخدم منهج محدد أم لم يحدث ذلك فإن هذه الحجة تبطل بمجرد الوصول إلى الغاية المنشودة.

وفي نصوص إبداعية كثيرة تنتمي إلى جنس أدبي معين، نجد أنه من الممكن تطبيق بعض الإجراءات النقدية التي تستخدم لتفسير نصوص تنتمي إلى أجناس أدبية أخرى، ولا يعد استخدام هذه الإجراءات لتحليل نص شعري خروجاً على خصوصية النص الشعري لأن هذا الاستخدام ينطوي على غاية مناهج النقد وهي تفسير النص الإبداعي.

يمتلك نص مظفر النواب خصوصية فريدة، وهي تلاقي كل من القيم الجمالية المنتمية إلى جنس الشعر، والقيم التي تتجاوز ذلك إلى الأجناس الأدبية القائمة على السرد. مما ينتج نصاً يحمل صوراً شعرية – تمتاز بالإيقاعية كما سبق أن ذكرنا – ويحمل أيضا مشهدية درامية متحركة تعمق الإحساس بإيقاعية الصورة.

يرتبط مصطلح المشهد بالأجناس السردية والحوارية أكثر من ارتباطه بجنس الشعر، ولكن حين يوصف المشهد بالشعري فهو يعبر عن تلك الاستراتيجية الدرامية التي يمكن للنص الشعري أن يعبر عنها، وللدراما عدة عناصر يرى البعض أنه من الواجب توافرها في النص ليمتلك حقه في أن يوصف بالدرامية، وأهم هذه العناصر هي الزمكان والحوار. وتتكون هذه المشهدية الدرامية في شعر مظفر من عدة محاور:

البنية الزمكانية:

تعتبر البنية الزمكانية من أهم بنيات النص الدرامي، فليس ثمة فعل بشري ينتج في الفراغ المطلق، إذ أنه من الضروري أن يقع في إطار مكاني معين، أو بالأحرى إطار زمكاني، ولهذا الإطار الزمكاني أثره الفعال ليس فقط في إنتاج النص، ولكنه أيضا في إنتاج دلالته الغائبة التي يحيل السياق إليها، وفي شعر مظفر النواب تتضافر القيم الزمكانية لإنتاج إيقاع الصورة الشعرية، يقول:


في تلك الساعة حيث تكون الأشياء بكاءً مطلق
كنت على الناقة مغموراً بنجوم الليل الأبدية
أستقبل روح الصحراء
يا هذا البدوي الممعن بالهجرات
تزود قبل الربع الخالي بقطرة ماء

هكذا تظهر عناصر البنية الزمكانية في هذا الشاهد السابق فالزمان هو ساعة غير محددة من ساعات الليل سواء كان هذا الليل تحديداً زمانياً حقيقياً أو كان رمزاً للواقع العربي، وعدم تحديد الساعة هو رسم للحالة العبثية للقصيدة/الواقع، أما عنصر المكان ففيه تبئير على مركزية المكان/الناقة، باعتبارها رمزاً من رموز العرب قديماً فهي تحيل مباشرة إلى الهوية العربية خاصة إذا وضعت جنباً إلى جنب مع [ الصحراء – البدوي – الربع الخالي ].

البنية الحوارية:

الحوار/الحكي ظاهرة حايثت الوجود الإنساني مذ أمكن للإنسان تحميل صوته العضوي بمجموعة من الأفكار ينتجها الوعي، وبالتالي فالحكي على حد تعبير رولان بارت (نوعية من الأجناس معجزة)، ووجود الحوار دالاً على وجود آخر وهو وجود إنسان يملك قدراً من الوعي.

وقد انفرد الحوار بمجموعة من الأجناس الأدبية المستقلة، وكان أكثر ظهور له في جنس المسرح، وحين يحمل النص الشعري بالحوار، فإن ذلك يزيده عمقاً وتأثيراً ويفتح آفاق شعريته على أجناس أخرى كان هدفها الأول هو إعادة تشكيل العالم، مما يجعله – أي النص الشعري – يمتلك هذه القدرة على تشكيل جديد للعالم بجوار غايته الأصلية، وهي إعادة تشكيل جديد للبنية التركيبية اللغوية، ويزخر شعر مظفر النواب بمثل هذه البنيات الحوارية، مخاطباً العرب صارخاً فيهم يبحث عن شهامتهم، ويستثير نعرتهم العربية، يقول:

تعالوا نتحاكم قدام الصحراء العربية كي تحكم فينا
أعترف الآن أمام الصحراء
بأني مبتذل وبذيء وحزين كهزيمتكم
يا شرفاءً مهزومين
ويا حكاماً مهزومين
ويا جمهوراً مهزوماً
ما أوسخنا .. ما أوسخنا .. ما أوسخنا
ونكابر ما أوسخنا..
لا أستثني أحداً ..

و تظهر أيضا هذه البنية الحوارية، في عدة مقاطع من القصيدة غير أنها تمتلك جمالياتها/حداثيتها حين تتماهى الجمل الحوارية مع بعضها البعض مما يتيح إسناد الضمير فيها إلى أكثر من شخص في قوله:
صنعتني أمي من عسل الليل بأزهار التين
تركتني فوق تراب البستان الدافئ
وحلمت هناك بسكين ..
وتحرك في شفتي سحاق السُّكَّر
أين تركت نداماك حبيبي ؟! "حوار بلسان الأم/الوطن "
عبروا جسر السُّكْرِ وماتوا الواحد تلو الآخر "حوار بلسان الشاعر"

أما بانورامية المشهد الشعري فنقصد منها تلك التفاصيل الصغيرة التي تنتج صورة شعرية مركبة يمكن لنا أن نصفها بالبانورامية، حين تتضافر تلك الصور المتحركة بين الماضي والحاضر لتنتج جدلية للوجود الإنساني المرفوض، حالمة عبر الصور المستقبلية في وجود أفضل، ومن هذه التفصيلات الصغرى:

صورة البدوي الضالع بالهجرات.

صورة الروح البشرية بتجلياتها المتعددة [ المتعبة – الكاشفة – الحالمة – الباكية – المهجورة – المسجونة - المدفونة – الموءودة ]

الصور التراثية [ خطبة علي وأحداث الفتنة – استشهاد علي – استشهاد الحسين – فساد يزيد بن معاوية ]

الصور الواقعية [ قرى الأهواز المسلوبة – فلسطين – الأمم المتحدة - الجامعة العربية]

وهذه البانوراما الشعرية للوجود الإنساني تستشرف في الثورة أملاً جديداً فتدعو للتثوير، وهذه البانوراما تنتج عن العديد من التفصيلات الصغرى كما سبق أن ذكرنا.

التناص وإيقاعية الصورة
من البديهي أنه "ليس ثمة رسالة، كتابة كانت أو كلاماً تبدأ من فراغ مطلق، إنها تبدأ من عدد لا متناه أو محدود من الرسائل السابقة "، غير أن استخدام هذه الرسالة لتلك النصوص الماضوية يتفاوت بين تقديمها مصهورة في بوتقة الحصيلة اللغوية للشاعر، وبين تقديمها كما هي وفي هذه الحالة الأخيرة تقوم اللغة الشعرية للنص الأدبي ليس بتبادل الصفة الشعرية بين النص، وبين الأجزاء المتناصة فقط، بل إنها تجرد تلك الأخيرة من وظيفتها القديمة لتكسبها وظيفة شعرية جديدة، ومستوى التناص هذا ليس ظاهرة تداخل بين النصوص فقط، ولكنه أيضا إجراءات اكتشاف ماهيتها، أي إجراءات تأويلها، وبهذا ينفتح المنهج على بعد تأويلي يقيم العلاقة الغائبة بين آنية العمل وتاريخية بعض مكوناته، وللتناص في شعر مظفر النواب دوره البارز ليس فقط في إحالة النص إلى سياق خارجي، ولكن أيضا في تحريك هذا السياق بين التاريخي والواقعي، وهذه الدينامية في الإحالة إلى نصوص مغايرة، ينتج عنها إيقاعية الصورة الشعرية، ويبدأ التناص في قصيدة مظفر النواب بدءًَا بالعتبات النصية.

تعتبر العتبات النصية من أهم عناصر تصدير الأعمال الأدبية أضف إلى ذلك كونها متناصة في نصوص خارجية، وهذا يهيئ المتلقي إلى استشراف معالم محددة للنص المستقبَل، يقول

أما أنا فلا أخلع صاحبي، عاشرته وخبرته وعرفته، ولذا لا أخلع صاحبي.

من هذه الأرض ابتدأت دعوة ابتدأ بها إسماعيل، ثم تلاقفها القرامطة وأنا قرمطي، أولئك قالوا: مشاعة الأرض، ومشاعة السلاح، ولكن لم يقولوا مشاعة الإنسان، وأنا أيضا مع مشاعة الأرض ومشاعة السلاح، ولكني لست مع مشاعة الإنسان.

في الاستشهاد السابق ثمة محرك للصورة الشعرية خاصة في عبارة (أما أنا فلا أخلع صاحبي) وهي تحيل مباشرة إلى واقعة التحكيم بين علي بن أبي طالب، وبين معاوية بن أبي سفيان، ولعبة التحكيم بين عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، وهذا كله لاستحضار هذه الواقعة التاريخية من أجل أن يؤكد أن الفتنة ما زالت معاصرة، بل هي أشد عنفاً، وهو يعلن صراحة عن مذهبه العقائدي، فهو شيعي ينتمي إلى الفرقة الأثنى عشرية وليس إلى القرامطة، ورغم عدم قرمطيته فإن تصريحه بتأييد القرامطة هو إعادة قراءة مسكوت عنها لهذه الفرقة وليس انتماء لها، وفي إعلانه عن شيعيته منذ البداية / العتبات النصية وظيفتان، الأولى: تهيئة المتلقي لاستقبال رسالة تحمل بعض الأفكار الشيعية، وثانيها: تعريف المتلقي بأن تلك العقيدة هي التي تحرك مبدعها.

ويظهر التناص كذلك في النص، ولكن في صورة أقل وضوحاً من تلك التي شاهدناها في العتبات النصية، يقول

أنبيك علياً ما زلنا نتوضأ بالذل
ونمسح بالخرقة حد السيف
ما زلنا نتحجج بالبرد وحر الصيف
ما زالت عورة عمرة بن العاص معاصرة، وتقبح وجه التاريخ

ما زال كتاب الله يعلق بالرمح العربية
يحيل الاستشهاد السابق مباشرة إلى أحداث الفتنة والحرب بين الإمام على بن أبي طالب وبين معاوية بن أبي سفيان


وبعد فهذه الدراسة لا تعدو كونها نقطة حبر من مداد قد يكتب عن هذا الشعر الذي تفيح منه رائحة العراق الحبيس، لشاعر مناضل يتمثل الوطن فيه طالما كان يعاني من الاضطهاد، ولكن ترى هل توفر له الديموقراطية المزعومة الأمن والحياة ؟
avatar
salvador allende
عضو بارز
عضو بارز

عدد الرسائل : 55
العمر : 32
تاريخ التسجيل : 16/12/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى